1️⃣
بقلم: د.رعد هادي جبارة باحث سياسي ودبلوماسي سابق
🔻مقدمة:
لطالما ارتبط مفهوم الأمن القومي الأمريكي بالتهديدات الخارجية، من الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة إلى التنظيمات العابرة للحدود في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر. غير أن السنوات الأخيرة أفرزت نقاشًا غير مسبوق داخل الولايات المتحدة نفسها: هل يمكن أن يتحول رئيس الدولة، بما يمتلكه من صلاحيات واسعة، إلى مصدر تهديد بنيوي للأمن القومي؟ في هذا السياق، تبرز تجربة دونالد ترامب بوصفها حالة إشكالية تستدعي التحليل، ليس من زاوية الخلاف السياسي، بل من منظور مؤسساتي ودستوري وأمني.
🔻أولًا: تحلّل الشرعية الرمزية للرئاسة
تمثل الرئاسة الأمريكية إحدى أكثر المؤسسات استقرارًا رمزيًا في النظام السياسي الأمريكي، حيث تقوم على مبدأ الاستمرارية واحترام الإرث الدستوري. إلا أن خطاب دونالد ترامب القائم على تحقير الرؤساء السابقين، ووصفهم بالضعف أو الغباء، أسهم في نزع الشرعية الرمزية عن المنصب نفسه. هذا السلوك لا يندرج ضمن حرية التعبير السياسية فحسب، بل يؤدي إلى تقويض ثقة الجمهور بالمؤسسة التنفيذية، وتحويل الرئاسة إلى موقع صراع شخصي بدل كونها إطارًا جامعًا للدولة.
🔻ثانيًا: تآكل العمل المؤسساتي وصناعة القرار المرتجل
يعتمد الأمن القومي، في النظم الديمقراطية، على آليات مؤسساتية معقدة تشترك فيها الرئاسة، والكونغرس، والأجهزة الاستخبارية، ومجالس الخبراء. غير أن نمط الحكم في عهد ترامب اتسم بتهميش هذه الآليات لصالح قرارات مرتجلة، كثيرًا ما اتُخذت دون دراسة كافية لتداعياتها الاستراتيجية. إن تحويل القرار السيادي إلى استجابة انفعالية أو شعبوية يخلق حالة من عدم اليقين، ويُضعف قدرة الدولة على التنبؤ بالمخاطر والتعامل معها بفعالية.
🔻ثالثًا: عسكرة الداخل وتسييس القوة
لقد تجلّى الخطر الداخلي بشكل واضح في لجوء إدارة ترامب إلى استخدام الحرس الوطني والقوة الأمنية لقمع احتجاجات سلميةشعبية داخلية محقة، كما حدث في مينيابوليس. هذا السلوك يعكس تداخلًا خطيرًا بين الأمن الداخلي والأمن القومي، حيث تُستخدم أدوات الدولة القسرية لترهيب المجتمع بدل حمايته. ويؤدي هذا النهج إلى إعادة تعريف الدولة باعتبارها خصمًا لمواطنيها، وهو ما يتناقض مع الأسس الديمقراطية التي يقوم عليها النظام الأمريكي.
🔻رابعًا: الخطاب الإقصائي والانحطاط الأخلاقي
لم يقتصر الخطر الداخلي في عهد دونالد ترامب على السياسات والقرارات، بل تجلّى بوضوح في الخطاب والسلوك الشخصي للرئيس. فقد اتسم خطابه العام بالإهانة والتحقير، سواء تجاه خصومه السياسيين أو منافسيه أو حتى أسلافه في المنصب. شملت هذه الممارسات إساءات لفظية و عنصرية بحق الرئيس الأسبق باراك أوباما وزوجته، وانتقاصًا مستمرًا من الرئيس جو بايدن، فضلًا عن الهجوم المتكرر على هيلاري كلينتون بعبارات تتجاوز النقد السياسي إلى التشويه الشخصي.
كما امتد هذا الخطاب إلى التعامل مع الإعلام، حيث وُجهت إهانات مباشرة لصحفيين وصحفيات، في سلوك يعكس ازدراءً لحرية الصحافة ودورها الرقابي. وإلى جانب ذلك، أُلقي بظلال كثيفة على الرئاسة الأمريكية بسبب تقارير صحفية وتحقيقات تحدثت عن علاقات ترامب بدوائر مشبوهة أخلاقيًا، من بينها ما ارتبط بجزيرة إبستين، وهو ما أسهم في إضعاف الصورة الأخلاقية للمنصب الرئاسي.
🔻خامسًا: شهادة من داخل النظام الأمريكي
لم يقتصر توصيف الخطر على معارضي ترامب خارجيًا، بل جاء أيضًا من داخل المؤسسة السياسية الأمريكية نفسها. فقد صرّح السيناتور بيرني ساندرز بأن ترامب "أخطر رئيس في تاريخ الولايات المتحدة"، معتبرًا أنه يسعى لتقويض الديمقراطية والدستور عبر اغتصاب صلاحيات الكونغرس واستخدام أجهزة الدولة كأدوات قمع داخلي.و تمثل هذه الشهادة مؤشرًا بالغ الدلالة على أن الخطر المتأتي من رئاسة ترامب كان محل إدراك داخل النخبة السياسية الأمريكية ذاتها.
🔻الخلاصة:
من خلال تفكيك الخطاب الرئاسي، و آليات اتخاذ القرار، و أنماط استخدام القوة، والانحطاط الأخلاقي المصاحب لها، يتضح أن الخطر الذي يمثّله دونالد ترامب على الأمن القومي الأمريكي لم يكن خارجيًا بقدر ما كان داخليًا. فقد أسهمت سياساته وسلوكياته في إضعاف المؤسسات، وتآكل الشرعية، وزعزعة الثقة بين الدولة والمجتمع، وهو ما يجعل هذه التجربة مثالًا دالًا على الكيفية التي يمكن أن يتحول فيها القائد المنتخب إلى تهديد بنيوي للأمن القومي.
ولاننسى هنا قرار ترامب بإقالة مستشاره للأمن القومي مايكل والتز و نائبه أليكس وونغ سيتركان، نتيجة غضبه منهما بعد تنسيقهما مع رئيس بنيامين نتنياهو، خاصة في ما يتعلق باستخدام القوة العسكرية ضد إيران.ولكن ترامب نفسه ما لبث أن انزلق في مواجهةعسكرية وقصف جوي و صاروخي عدواني غير مبرر أبدا ضد المواقع النووية السلمية الإيرانية، بتشجيع من نتنياهو مما وجه خطرا جسيما الى المصالح الامريكية والامن القومي داخل وخارج امريكا!!
[ترامب سحق الحكومة، وفرض سلطته على الحلفاء، وأشعل حروبا تجارية]هذه العبارة هي خلاصة تقرير موسع لوكالة أسوشيتد برس عنوانه "100 يوم من حكم الرئيس الأميركي دونالد ترامب".
طبعايقع التقرير في نحو 4 آلاف كلمة، وشارك فيه 13 محللا وخبيرا في التعليم والسياسة الداخلية والخارجية والاقتصاد والشئون العسكرية والصحة والبيئة والهجرة والإعلام وحتى الثقافة والفنون.
وسبق لترامب أن كلف إيلون ماسك بتفكيك القوى العاملة الفدرالية، ولكنه ما لبث أن قررالتخلي عنه وعزله فجأة!!
وأمر بنقل المهاجرين إلى سجن في السلفادور دون مراجعة قضائية.
وأكثر من ذلك، استهدف الرئيس الجمهوري القانون والإعلام والصحة العامة والثقافة مباشرة، محاولا إخضاع الجميع لمزاجيته ورغباته الفردية وقراراته الارتجالية المرفوضة على نطاق واسع لكنه نفذها بقوة و حزم ، متجاوزا على الدوام الكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون إلى حد كبير ،
كما ضغط عبر المسؤولين في إدارته على مصلحة الضرائب الأميركية لتسليم بيانات حساسة لمئات الآلاف من الأجانب الموجودين في الولايات المتحدة، مما يسهّل العثور عليهم، لغرض ترحيلهم بالقوة!!
و الطريف أنه عندماتولى ترامب منصبه تعهد بـ"القصاص" !! ، وقد أوفى بوعده في يومه الأول، وفي كل أسبوع تقريبا منذ ذلك الحين فاتخذ إجراءات تستهدف المدعين العامين الذين حققوا معه ومكاتب المحاماة التي وظفتهم!!.
وطارد مسؤولين سابقين انتقدوه أو زعموا عن حق أنه خسر الانتخابات الرئاسية لعام 2020 أمام سلفه الديمقراطي جو بايدن!!
وأمر أيضا بتعليق التصاريح الأمنية لأكثر من 40 مسؤولا استخباراتيا سابقا وقّعوا على رسالة خلال حملة العام 2020 تفيد بأن قصة جهاز الحاسوب المحمول الخاص بهانتر نجل بايدن تحمل بصمات حملة نفوذ روسية.
كما طردت وزارة العدل التابعة لترامب المدعين العامين الذين حققوا معه كجزء من فريق المستشار الخاص جاك سميث!!
ودعا ترامب إلى عزل قاض فدرالي حكم ضده في قضية المهاجرين الفنزويليين المتهمين بالانتماء إلى عصابات، وأثار ذلك توبيخا نادرا من رئيس القضاة جون روبرتس الذي لم يذكر الرئيس ترامب بالاسم، لكنه قال إن العزل ليس ردا مناسبا على الخلافات بشأن قرارات المحكمة!!
ولاشك أنه سيدفع ثمن هذه التصرفات والقرارات، عاجلاً أم آجلاً؛
﷽{كم أهلكنا قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص}[سورةص؛3].